السيد المرعشي

423

شرح إحقاق الحق

ألين منه وإنما طلحة كالنوار عاقصا بقرنه يركب الصعوبة ، فاقرءه مني السلام وقل له : يقول لك أن عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا فيما بدا . قال ابن عباس : فأتيته فقال : قل له بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة واجتماع ثلاثة وانفراد واحد وأم مبرورة ومشاورة العشيرة ونشر المصاحف نحل ما أحلت ونحرم ما أحرمت ، فقال علي : ما زال الزبير رجلا منا حتى أدرك ابنه عبد الله فلفته عنا وقال طلحة لأهل البصرة وقد سألوه عن بيعته لعلي فقال : أدخلوني في حسلهم ووضعوا الملح في عنقي ، وقالوا : بايع وإلا قتلناك . قوله " الملح " يريد به السيف ( 1 ) .

--> ( 1 ) وقال العلامة الباعوني المذكور في كتابه ( ص 73 ) : ومن حديث ابن أبي شيبة قال : كان علي يخرج مناديه يوم الجمل فينادي : لا يسلبن قتيل ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح . وقال علي يوم الجمل للأشتر مالك بن الحارث وكان على الميمنة : احمل ، فحمل فكشف من بإزائه ، وقال لهاشم بن عتبة أحد بني زهرة بن كلاب وكان على الميسرة : احمل ، فحمل وكشف من بإزائه فقال عليه السلام لأصحابه : كيف ترون مضربي وإيماني ؟ وعن أبي حاتم قال : أنشدني الأصمعي عن رجل شهد الجمل فقال : شهدت الحروب فشيبني * فلم تر عيني كيوم الجمل أشد على مؤمن من فتنة * واقبل منه لخرق بطل فليت الظعينة في بيتها * ويا ليت عسكر لم ترتحل وعسكر اسم الجمل الذي وهبه يعلى بن منبه لعائشة وجعل له هودجا من حديد وجهز خمسمائة فارس معها بأسلحتهم ، وكان أكثر أهل البصرة مالا وكان علي يقول : بليت بأقص الناس وأطلق الناس ، وأطوع الناس عائشة ، وكان راية علي يوم الجمل سوداء وراية أهل البصرة الجمل . وقال الأعمش : كنت أرى عليا يوم الجمل يحمل فيضرب بسيفه حتى ينتهي ثم يرجع ويقول : لا تلوموني ولوموا هذا ، ثم يعود وقومه . وعن سعيد ، عن قتادة قال : قتل يوم الجمل مع عائشة عشرين ألفا منهم ثمانمائة من بني ضبة ، وقالت عائشة : ما أنكرت رأس جملي حتى فقدت أصوات بني عدي وضبة وقتل من أصحاب علي خمسمائة رجل لم يعرف منهم إلا عليا بن الحرث السدوسي وهند الجملي قتلهما ابن اليثربي . وقال في ق 74 : عن عمرو بن مرة قال : سمع عبد الله بن سلمة وكان مع علي بن أبي طالب يوم الجمل والحرث بن سويد وكان مع طلحة بن عبيد الله والزبير فتذاكروا وقعة الجمل فقال الحرث ابن سويد : والله ما رأيت مثل يوم الجمل لقد أشرعوا رماحهم في صدورنا وأشرعنا رماحنا في صدورهم فلو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت ، يقول هؤلاء : لا إله إلا الله والله أكبر ، ويقول هؤلاء : لا إله إلا الله والله أكبر ، فوالله لوددت أني لم أشهد ذلك اليوم وأنني مقطوع اليدين والرجلين . قال عبد الله بن سلمة : والله ما سرني إني غبت عن ذلك اليوم ولا عن مشهد شهده علي بن أبي طالب ولو أن لي حمر النعم . وعن علي بن عاصم عن حصين قال : حدثني أبو جميلة البكائي قال : إني لفي الصف مع علي بن أبي طالب إذ عقر بعائشة جملها ، فرأيت محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر يسندان بين الصفين أيهما يسبق إليها ، فقطعا عرضة الرجل واحتملاها من هودجها . قال حصين : وحدثني خالد بن مخلد ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن المغيرة ، عن ابن ابزي قال : انتهى عبد الله بن بديل إلى عائشة وهي في الهودج فقال : أنشدك الله أتعلمين أنني أتيتك يوم قتل عثمان فقلت لك : إن عثمان قد قتل فما تأمرينني به فقلت ألزم عليا فوالله ما غير ولا بدل . فسكتت ، فأعاد عليها ، فسكتت فقال : اعقروا الجمل فعقروه ، فنزلت أنا وأخوها محمد بن أبي بكر فاحتملنا الهودج حتى وضعناه بين يدي علي رضي الله عنه فأمر به فأدخل منزل عبد الله بن بديل بن ورقاء . وقالوا : لما كان يوم الجمل ما كان وظفر علي دنا من الهودج فسلم على عائشة وكلمها فأجابته : ملكت فاسمع ، فجهز علي أحسن جهاز وبعث معها سبعين امرأة حتى قدمت المدينة . وعن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما قضى أمر الجمل دعا علي بأحرمين فعلاهما ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أنصار المرأة وأصحاب البهيمة زغا فحنيتم وعقر ففررتم ، نزلتم بشر بلاد الله أبعدها الله من السماء وجعلها مفيض كل ماء ولها شر أسماء وهي البصرة والبصيرة والمؤتفكة . وقد مر ابن عباس قال : فدعيت من كل مكان فأقبلت إليه فقال : ليت هذه المرة فلترجع إلى بيتها الذي أمرها الله أن تقر فيه . قال : فاستأذنت عليها ، فلم تأذن لي فدخلت بلا إذن ومددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها فقالت : بالله يا بن عباس ما رأيت مثلك تدخل علينا بغير إذننا وتمد يدك إلى وسادتنا فتجلس عليها بغير أمرنا ! فقال لها : والله ما هو ، بيتك الذي خرجت منه وأمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بيتك الذي خرجت منه قالت : يرحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر بن الخطاب ، قلت : نعم وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . قالت : أبيت أبيت ، فقلت : والله ما كان آباؤك إلا فواق ناقة نكبة حتى صرت لا تحلين ولا تمرين ولا تأمرين ولا تنهين . قال : فبكت حتى سمعت نشيجها ثم قالت : ارجع ارجع فإن أبغض البلدان إلى بلد أنتم به . قلت : أما والله ما كان جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أما وجعلنا أباك لهم صديقا . قالت : أيمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بن عباس ؟ قلت : نعم والله يمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمنيت به علينا . قال ابن عباس ؟ ثم أتيت عليا وخبرته الخبر فقبل بين عيني وقال : بأبي وأمي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : أول ما تكلمت الخوارج يوم الجمل قالوا : ما أحل لنا دمائهم وحرم علينا أموالهم ، فقال علي عليه السلام : هي السنة في أهل السنة في أهل القبلة . قالوا : والله ما ندري هذا . قال : فهذه عائشة أتتساهمون عليها ؟ قالوا : سبحان الله هي أمنا فهي حرام علينا . قالوا : فإنه يحرم شأنها ما يحرم منها . وقال في ق 75 : وقد ذكر بعض المؤرخ في مسير سيدنا علي رضي الله عنه ما صورته ما سنذكره قال : أخبرنا المنذر بن الجارود العبدي قال : لما قدم علي بن أبي طالب البصرة دخل مما يلي الطف فجاء إلى الراوية فخرجنا ننظر فمر بنا فارس على فرس أشهب عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء متقلدا سيفا وبيده راية في ألف من الناس ، فقلنا : من هذا ؟ فقيل : هذا أبو أيوب الأنصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلدا سيفا متنكبا قوسا في ألف من الناس ، فقلنا : من هذا ؟ قيل : خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ثم مر فارس آخر على فرس كميت متعمما بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قباء أبيض مصقول متقلدا سيفا متنكبا قوسا في ألف ، قلنا : من هذا ؟ قيل : أبو قتادة الأنصاري ، ثم مر بنا فارس آخر على فرس أشقر عليه ثياب بياض وعمامة سوداء قد أسدلها بين يديه ومن خلفه شديدة الأدمة متقلدا سيفا متنكبا قوسا في ألف من الناس ، قلنا : من هذا ؟ قيل : عمار بن ياسر ، ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بياض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكبا قوسا يخط الأرض برجليه سناط في ألف من الناس ، قلنا : من هذا ؟ قيل : قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري . ثم مر بنا فارس على فرس أشقر ما رأينا أحسن منه وجها عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد أسبلها بين يديه ومن خلفه بيده لواء ، قلنا : من هذا ؟ قيل : عبد الله بن عباس ثم مر بنا فارس أشبه الناس به عليه مثل لباسه فقلنا : من هذا ؟ قيل : قثم بن العباس ثم أقبلت الرايات وأقبل فارس يشبههما فقلنا : من هذا ؟ فقيل : معبد بن العباس . ثم أقبلت كتيبة عليهم الدروع متعممين بعمائم بيض شاكين في السلاح يقدمهم رجل كأنه كبيرهم خير نظره في الأرض أكثر من نظره إلى السماء كأنما على رؤوسهم الطير وعن يمينه شاب حسن الوجه وعن شماله شاب حسن الوجه وبين يديه شاب بيده راية عظمى وخلفه شاب في عدة شباب معهم قلنا : من هؤلاء ؟ فقالوا : أما هذا فعلي بن أبي طالب وهذا الحسن والحسين عن يمينه ويساره وهذا محمد بن الحنفية بين يديه ومعه الراية وهذا خلفه عبد الله بن جعفر وهؤلاء ولد عقيل معه وهؤلاء المشايخ فهم أهل بدر فجاء حتى ترك الراية فصلى أربع ركعات ثم رفع يديه ثم قال : اللهم رب السماوات وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت ورب البحار وما جرت ورب الرياح وما درت ورب الشياطين وما أضلت هذه البصرة أسألك من خيرك الذي فيها وأعوذ بك من الشر الذي فيها ، اللهم إن هؤلاء القوم قد بغوا علينا وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي فاقبل بقلوبهم واحقن دماء المسلمين فإن أبوا فانصرني عليهم . ثم دعا عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي فوجههما لطلحة والزبير فلم يرجعا إليه بجواب يحمده فأمر أصحابه أن لا يبدوهم ولا يرموهم بسهم ولا يطعنوهم برمح ولا يضربوا بسيف وقال : ليس بعد الدماء تقية فاصطفوا للقتال ، فرموهم أولئك بالنشاب فقال علي : اعذروا إليهم فخرج علي بنفسه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسرا ليس عليه سلاح فنادى : يا زبير ، أخرج إلي ، فخرج إليه الزبير وهو شاك في سلاحه فقيل لعائشة : إن الزبير قد خرج إليه ، فقالت : واثكل أسماء ! فاعتنق كل واحد منهما صاحبه وقال علي : ويحك يا زبير ! ما أخرجك ؟ قال : دم عثمان ، قال : قتل الله أولى بدم عثمان ، أتذكر يوم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب حماره فضحك إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أنت : ما يدع علي زهوه برسول الله ، فقال : ليس به زهو أتحبه يا زبير ؟ فقلت : الله وليي أحبه ، فقال : أما إنك ستقاتله وأنت له ظالم ، فقال الزبير : أستغفر الله لو ذكرتها ما خرجت فكيف أرجع الآن وقد التفت خلفنا البطال هذا والله العار الذي لا يغسل ، فقال علي : يا زبير ، ارجع فالعار خير من الناس قبل أن تجمع العار والنار ، فرجع الزبير وهو يقول : اخترت عارا على نار من مؤججة * إني بقوم لها خلق من الطين نادى علي بأمر لست أجهله * عار لعمرك في الدنيا وفي الدين فقلت حسبك من عدل أبا حسن * فبعض هذا الذي قد قلت يكفيني فقال له ابنه : أين تذهب وتدعنا ؟ فقال : يا بني إن عليا ذكرني أمرا كنت له ناسيا قال : لا والله ولكنك فررت من سيوف بني عبد المطلب إنها طوال حداد يحملها فتية أنجاد ، قال : لا والله يا بني ذكرني ما أنسانيه الدهر فاخترت العار على النار أنا حين تعيرني لا أنا لك ثم قلع سنانه وشد في ميمنة علي فقال : أفرجوا له فقد هاجر ، ثم شد في الميسرة ثم رجع وشد في القلب ثم رجع إلى ابنه فقال : أيفعل هذا جبان ؟ ! ثم مضى وكان من أمره ما كان ، ثم دعاهم علي رضي الله عنه إلى ما فيه الصلاح من الكف عن الدماء والرجوع إلى الطاعة فأبوا إلا القتال ، فقال علي : من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إلى ما فيه ؟ فقال غلام من عبد القيس يقال له مسلم : أنا آخذه ، فأخذه وتقدم فرموه حتى قتلوه ، فجاءت أمه إلى علي فوقفت عليه ثم قال : لا هم إن مسلما دعاهم * يتلو كتاب الله لا يخشاهم فخضبوا من دمه لحاهم * وأمهم قائمة تراهم فقال علي : احملوا على القوم ، فحملوا فانهزمت ميمنة علي وميسرته . قال بعض ولد عقيل : فأتيته وهو يخفق برأسه من النعاس فقلت : يا عم قد بلغت ومسيرتك ما ترى وأنت تخفق نعاسا ؟ فقال : اسكت يا بن أخي فإن لعمك يوما لا يعدوه والله ما يبالي عمك إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه ، ثم بعث إلى محمد ابن الحنفية أن أقحم فداك أبي وأمي . قال : فأبطأ عليه وكان بإزائه قوم من الرماة فكان ينتظر أن يفنى سهامهم ثم يحمل فجأة ، فقال علي : احمل فداك أبي وأمي . قال : والله ما أجد متقدما إلا على سنان . فقال له عليه السلام : اقحم فلن ينالك إلا سنة لأن للموت عليك جنة ، فحمل محمد فسلك بالرماح فوقف عليه علي فضربه بقائم سيفه وقال : أدركك عرق من أمك . ثم أخذ الراية من يده فحمل الناس معه فما كان أهل البصرة إلا كرماد اشتدت به الريح فاستطار في يوم عاصف فبلغت ميمنتهم إلى مدينة الردف وبلغت الميسرة إلى مقبرة بني حصن وبلغ القلب إلى بني عدي ، ولقى علي طلحة فقال : يا أبا محمد ما أخرجك علي ؟ قال : طلب دم عثمان : قال : قتل الله أولانا بدم عثمان أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، أوما أنت أول من بايعني ثم نكثت ؟ قال : ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ثم دخل البصرة فخطب خطبته المشهورة الطويلة التي احتوت من الفصاحة والبلاغة وأنواع البديع والمواعظ وذكر عجائب السماوات والأرض والوعد والوعيد وأتى فيها بما حارت فيه العقول . ثم بعث إلى عائشة بعد أيام يأمرها بالخروج ووجه إليها ابن عباس بمال كثير ثم ذهب إليها بنفسه وشيعها أميالا ووجه معها أربعين امرأة وقيل سبعين من عبد القيس وقال : كن في هيئة الرجال وهي لا تعلم ، فسارت إلى أن وصلت المدينة فقيل لها : كيف رأيت مسيرك ؟ قالت : كنت بخير ولقد أعطاني فأكثر لكنه بعث مع حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ، فكشفت النساء عن وجوههن وقلن أنحن رجال ، فخرت على وجهها وهي تقول : علي أعرف بالله من ذلك أبى ابن أبي طالب إلا كرما وعلما وحلما والله لوددت أني لم أقاتله ولم أخرج مخرجي هذا الذي خرجته ولو أن لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من الولد الذكور مثل أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وإنما خدعت وغررت وقيل لي : تخرجين فتصلحين بين الناس فكان ما كان والله المستعان . وقال في ق 77 : ثم إنه عليه السلام عند فراغه من الجمل كتب إلى معاوية يأمره بالمبايعة له والدخول فيما دخل فيه الناس وأن لا يشق عصا المسلمين ويسفك دماءهم وقد أتينا ذلك في موضعه فلا فائدة في إعادته ، والله أعلم .